جَنَتْ على نفسها بَراقِش

حين يتحول الإكراه السياسي إلى مشروع فشلٍ شامل وانتحار أخلاقي لسوء تقديره واختياره وترتيبه كالمثل السائد لمن كان فعله سبب هلاكه، وعلى صورة كلبة نبحت فأدى عوائها إلى هلاكها قبل من تحرسهم.

وهو مثلٌ ينطبق بدقةٍ لافتة على مسارٍ سياسيٍّ باتت معالم فشله واضحة للعيان ويؤدي إلى هلاك الناعق قبل المحروس.

ولقد أثبتت الوقائع أن المملكة العربية السعودية لم تتعامل مع المفاوضات اليومً بوصفها مسارًا سياسيًا نزيهًا قائمًا على الشراكة والاحترام المتبادل، بل استخدمتها أداة ضغط وإكراه.

فحين استدرجت وفدًا سياسيًا من عدن بذريعة الحوار، لم يكن الهدف الوصول إلى حل أو خوار كما زعمت ، بل فرض بيان جاهز، قُرئ تحت التهديد والابتزاز، يقضي بحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، في مشهدٍ مهين لا يعبّر عن إرادة، ولا يحترم كرامة، ولا يعكس حقيقة الواقع على الأرض.

غير أن ما جرى في الغرف المغلقة لا يمكن إسقاطه على الميادين، وما فُرض على أفرادٍ تحت الضغط لا يمكن فرضه على شعبٍ بأكمله.

فالأرض ليست ورقة توت تتساقط، والناس ليسوا وفودًا معزولة، والتاريخ لا يُمحى ببيان.

وإذا كان لا بد من سؤالٍ صريح، فهو: هل تملك السعودية الجرأة والقدرة على استدعاء مليونيات عدن وشبوة وحضرموت، الحاضرة اليوم في الشارع، ثم إكراهها على التنازل عن جغرافيتها، ومحو واقعها الجنوبي، والتنكر لهويتها وإرادتها؟

الجواب أوضح من أن يُناقش: لا.

لأن الأرض لا تُلغى ببيان،

والشعوب لا تُهزم بالإملاءات،والجغرافيا لا تخضع للأوامر.

بل قبل ذلك كانت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بتأمينها حضرموت والمهرة قد أكملت تأمين ربوع الجنوب كله، وفرضت واقعًا أمنيًا مستقرًا حظي بقبولٍ شعبي ودولي واسع، وكان ذلك مدخلًا طبيعيًا للبناء والشراكة ونبذ العنف والإرهاب.

لكن بدلًا من الاستثمار في هذا الاستقرار، اتجهت المملكة إلى التصعيد:

أظهرت العداء لقوات الانتقالي وشعبه وأمته،

أخرجتها من مواقعها، استهدفتها في عدن والضالع وغيرها، ثم سعت إلى محاولة تحجيم المجلس أو شلّه سياسيًا. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى:

هذه السياسات لم تُضعف المجلس الانتقالي، بل وسّعت الفجوة مع الشارع الجنوبي، وخلقت حالة رفضٍ أوسع، وأعادت خلط الأوراق الأمنية، وفتحت الأبواب أمام الفوضى، وألحقت ضررًا مباشرًا بصورة الدور السعودي نفسه وقد تؤدي بالمملكة إلى ما لا يحمد عقباه ( أكلت يوم أكل الثور.. العراقي بسبب غزوه الكويت).

إن محاولة فرض حلٍّ قسري على الجنوب تعني مطالبة شعبٍ بأن يذبح نفسه بنفسه، وأن يَخلس جلده من جسده بيده وأن يتنازل عن تاريخه ودمائه وتضحياته إرضاءً لوهمٍ سياسيٍّ فاشل.

وهذه معادلة مستحيلة، لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، ولن تُكتب لها الحياة مهما تعددت الضغوط وتغيرت الأدوات.

فمن يظن أن الجنوب يُدار كما تُدار الوفود المخطوفة، فهو واهم، ولم يفهم شيئًا من دروس الأرض ولا من صوت الشارع.

وختامًا، ستبقى الإرادة الشعبية أقوى من كل بيانات الإكراه، وأصلب من كل مشاريع الوصاية، وسيظل الجنوب حقيقةً قائمة، لا قرارًا مؤقتًا، ولا ورقة تفاوض.

*(وجنت على نفسها مملكة الشر وإن غدا لناظره قريب)*