الأيغور تحت القمع: ماذا يحدث لمسلمي تركستان الشرقية في الصين؟

الأيغور تحت القمع: ماذا يحدث لمسلمي تركستان الشرقية في الصين؟

محور بلس/ خاص:

الأيغور هم شعب تركي-مسلم يتكلّم لغة تركية ويعيش غالبًا في منطقة تركستان والتي تُعرف اليوم بإقليم شينجيانغ (شمال غربي الصين). لهم تاريخ ثقافي وديني ممتدّ في واحات حوض تاريم وعلى طرق الحرير. عددهم الرئيسي يتركز داخل الصين أكثر من 10 ملايين وفق تعدادات مختلفة، وهناك جاليات في دول الجوار . 

خلفية سياسات بكين تجاه تركستان: 

خلال سنوات ما بعد 2014–2017، صعدت الحكومة الصينية حملتها الأمنية والسياسـية على الاضطرابات والتطرّف المعلن في الإقليم، ووصفت إجراءاتها بأنها «مكافحة التطرف» و«مراكز تدريب مهني». لتعتقل الأفراد الإيغور قسراً أو تسلب منهم أطفالهم لتعيد تأهيلهم، وتشن حملة شاملة ضدّ الدين والثقافة الأيغورية. ومحاولة محو الدين الإسلامي وهويتهم الحقيقية وتصيينهم. 

ماذا تفعل الحكومة الصينية عمليًا؟ 

1. الاحتجاز الجماعي ومراكز «إعادة التأهيل» 

منذ 2017 ظهرت تقارير واسعة عن إنشاء شبكة من مراكز الاعتقال أو ما تسمّيها الصين «مراكز التعليم والتدريب المهني»، ووفق تحقيقات وتقارير متعددة فإنّها احتجزت مئات الآلاف إلى أكثر من مليون شخص من الأيغور ومجموعات مسلمة أخرى بشكل تعسفي، بغرض «تلقينهم» ومحو أي أفكار لا تتناسب معهم، وأخذ الأطفال بالقوة من عائلاتهم لإعادة تهيأتهم ليتحدثوا الصينة ويتعلموا العادات والتقاليد الصينية وإبعادهم عن الدين الإسلامي وعن ثقافتهم وهويتهم الإيغورية. 

2. المراقبة الرقمية وسياسات الأمن الداخلي

انتشار كاميرات المراقبة، جمع بيانات بيومترية (بصمات، صور، تتبّع الهاتف)، ونظام نقاط وشبكات أمنية واسعة مدمجة مع قواعد بيانات، وارسال عائلات صينية ليعيشوا معهم لأجل مراقبتهم وعدم ممارستهم لأي أعمال دينية كالصلاة والصوم، ما جعل الحياة اليومية في الإقليم خاضعة لمراقبة شديدة. تقارير استقصائية وبيانات مسرَّبة أظهرت ملفات شرطية وممارسات رقابية مُفصّلة على الشعب الإيغوري. 

3. العمل القسري وسلاسل التوريد

تقارير حكومية وأخرى مستقلة ، مثل وزارة العمل الأمريكية وتقارير منظمات، تناولت برامج نقل وتحويل القوى العاملة، ووجود حالات قسريّة في بعض المصانع وسلاسل التوريد، ما أثار مخاوف من عمل قسري ومنتجات تدخل في أسواق عالمية. 

4. تقليص الممارسات الدينية والثقافية واللغوية



سياسات تشدّد على تعليم الإيغوريين اللغة الصينية، قيود على المساجد، سنّ تشريعات تنظيمية للزيّ والشعائر، وإجراءات على مستوى الأسماء الجغرافية والمظاهر الثقافية التي تهدد الهوية الأيغورية التقليدية. 

5. قيود على الحرية الشخصية والسفر

تقارير حكومية ومصادر دولية تشير إلى صعوبات في منح جوازات سفر للإيغوريين التركستانيين ، ورقابة على مغادرة الإقليم، واحتجاز أفراد من العائلات مقابل نشاط أقارب بالخارج. 

ماذا يحدث في معسكرات إعادة التأهيل؟ 

تم استهداف المحتجزين لأسبابٍ عديدة، وفقًا لتقارير إعلامية، منها السفر إلى أيٍّ من الدول الست والعشرين التي تعتبرها الصين حساسة، مثل تركيا وأفغانستان، أو التواصل مع أشخاصٍ منها؛ وحضور الصلوات في المساجد؛ وإنجاب أكثر من ثلاثة أطفال؛ وإرسال رسائل نصية تتضمن آياتٍ قرآنية. وفي كثير من الأحيان، كانت جريمتهم الوحيدة هي كونهم مسلمين، حيث وُصِف العديد من الإيغور بالمتطرفين لمجرد ممارستهم شعائرهم الدينية، بحسب منظمات حقوق الإنسان.

العديد من المحتجزين الذين فروا من الصين وصفوا ظروفاً قاسية. وقد أصدر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقريراً عام 2022 استناداً إلى مقابلات مع عشرات الأشخاص، من بينهم ستة وعشرون محتجزاً سابقاً، كشف عن أنماط من التعذيب أو غيره من أشكال المعاملة الوحشية أو اللاإنسانية أو المهينة في المعسكرات بين عامي 2017 و2019. 

وكشفت تقارير استقصائية متعددة أن المحتجزين أُجبروا على إعلان ولائهم للحزب الشيوعي الصيني والتخلي عن الإسلام، فضلاً عن ترديد كلمات تمجد الشيوعية وتعلم اللغة الصينية. وأفاد بعض الأشخاص بظروف أشبه بالسجن، حيث كانت الكاميرات والميكروفونات تراقب كل تحركاتهم وأقوالهم. وقال آخرون إنهم تعرضوا للتعذيب والحرمان من النوم أثناء الاستجوابات. وروت نساء قصصاً عن اعتداءات جنسية ، بما في ذلك الاغتصاب. وفكر بعض المحتجزين المفرج عنهم في الانتحار أو شهدوا انتحار آخرين.

أدى الاحتجاز أيضًا إلى تشتيت الأسر. فكثيرًا ما أُجبر الأطفال الذين أُرسل آباؤهم إلى المعسكرات على العيش في دور أيتام تديرها الدولة. وواجه العديد من الآباء الإيغور المقيمين خارج الصين خيارًا صعبًا؛ إما العودة إلى ديارهم ليكونوا مع أطفالهم ويخاطرون بالاحتجاز، أو البقاء في الخارج منفصلين عن أطفالهم وغير قادرين على التواصل معهم. كما أفادت العديد من الأسر بأن أطفالهم أُخذوا إلى مدارس داخلية دون موافقتهم . حيث أن لغة التدريس في هذه المدارس هي اللغة الصينية الماندرينية بشكل شبه حصري، ولا يتفاعل الطلاب مع أسرهم إلا بشكل محدود.

https://youtu.be/_hCoh2snUgw?si=-e6-vfDch8VxReuS

مالذي يحدث خارج المعسكرات في شينجيانغ/ تركستان ؟ 

يقول صحفيون دوليون زاروا المنطقة إن شينجيانغ / تركستان تحولت إلى دولة مراقبة . في عام 2017، وُضعت شينجيانغ تحت نظام إدارة شبكي ، كما ورد في التقارير الإعلامية، حيث قُسّمت المدن والقرى إلى مربعات تضم حوالي خمسمائة شخص. وكان لكل مربع مركز شرطة يراقب السكان عن كثب بواسطة مسح بطاقات هويتهم بانتظام، والتقاط صورهم وبصمات أصابعهم، وتفتيش هواتفهم المحمولة. إلا أن العديد من نقاط التفتيش هذه أُزيلت أو هُجرت في السنوات القليلة الماضية، واستُبدلت بمراقبة أكثر سرية. كما تقوم الحكومة بجمع وتخزين البيانات البيومترية للمواطنين من خلال برنامج إلزامي يُعرف باسم "  الفحص الطبي الشامل" .

وكشف صحفيون يغطون الأحداث في شينجيانغ / تركستان، عن طمس جوانب عديدة من حياة المسلمين. فمنذ عام ٢٠١٤، جُنّد أعضاء الحزب الشيوعي للإقامة في منازل الأويغور والإبلاغ عن أي سلوكيات تُعتبر "متطرفة"، بما في ذلك الصيام في شهر رمضان. وهدم المسؤولون آلاف المساجد ، زاعمين في كثير من الأحيان أن المباني رديئة البناء وغير آمنة للمصلين. وأصبح من الصعب العثور على الطعام الحلال، المُعدّ وفقًا للشريعة الإسلامية، في أورومتشي بعد أن شنت الحكومة المحلية حملة ضده. وبين عامي 2009 و 2023 م، غيّرت الحكومة أسماء 630 قرية أويغورية ذات قيمة تاريخية ودينية وثقافية، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

أبلغت نساء من الإيغور ونساء من أقليات أخرى عن تعرضهن لعمليات تعقيم قسرية، كما احتجزت السلطات من يخالفن أوامر تحديد النسل أو ينجبن عددًا كبيرًا من الأطفال. وبتحليل بيانات حكومية، وجد زينز أن معدلات النمو السكاني الطبيعي التي لا تشمل التغير السكاني الناتج عن الهجرة في محافظتي شينجيانغ اللتين تضمّان أعلى نسبة من الإيغور، انخفضت بنسبة 84% بين عامي 2015 و2018، ووصلت إلى مستويات شبه معدومة في عامي 2021 و2022. ويُحظر على آباء الإيغور تسمية أطفالهم بأسماء معينة، منها محمد والاسماء الدينية الأخرى.

موقف الصين وذريعة الحكومة: 



في البداية، أنكر المسؤولون الحكوميون وجود هذه المعسكرات. ولكن بحلول أواخر عام ٢٠١٨، بدأوا بالاعتراف بوجود مراكز للتعليم والتدريب المهني في شينجيانغ. وصرحوا علنًا بأن لهذه المعسكرات هدفين: تعليم اللغة الصينية (الماندرين) والقوانين الصينية والمهارات المهنية، ومنع المواطنين من التأثر بالأفكار المتطرفة من خلال القضاء على "الأنشطة الإرهابية في مهدها" بحسب إدعائهم. 

مع تزايد الإدانة العالمية للانتهاكات، سعى المسؤولون الصينيون ووسائل الإعلام الرسمية إلى تشويه التقارير المتعلقة بشينجيانغ باستخدام مجموعة من الأساليب ، بما في ذلك نشر معلومات مضللة ومضايقة النشطاء. وقد رددوا رواية مفادها أن "قوى معادية للصين" في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تنشر أكاذيب مغرضة. حاولت بكين منع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من نشر تقريره لعام 2022 حول شينجيانغ. وبعد نشره، حاول المسؤولون الصينيون تشويهه ووصفه بأنه معلومات كاذبة، زاعمين في ردٍّ منشور أن الحكومات والمنظمات الأجنبية نشرت شائعات وأكاذيب عديدة حول شينجيانغ.

ردود الفعل الدولية: 

مشرعون في عدة دول، صرحت أن الصين ترتكب إبادة جماعية ضد الإيغور. وفرضت دول عديدة عقوبات على مسؤولين وكيانات صينية مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان. كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على مسؤولين صينيين في عام 2021، مسجلاً بذلك أول مرة يفرض فيها الاتحاد قيوداً على الصين منذ عام 1989. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أصدر البرلمان الأوروبي قراراً طارئاً يدين اضطهاد الإيغور ويحث الحكومة الصينية على إطلاق سراح المعتقلين. وفي يوليو/تموز 2025، ذهب أعضاء برلمان مدينة أمستردام إلى أبعد من ذلك، حيث أقروا اقتراحاً باستخدام اسم "تركستان الشرقية" بدلاً من "شينجيانغ".

بينما التزمت الدول الشريكة للصين الصمت ، مُفضّلةً علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية معها على انتهاكات حقوق الإنسان. في يونيو/حزيران 2022، وقّعت ستون دولة، من بينها دول ذات أغلبية مسلمة كباكستان والسعودية، بيانًا يدعو مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إلى احترام حقيقة أن قضايا شينجيانغ "شؤون داخلية صينية"، مؤكدةً معارضتها "لتسييس حقوق الإنسان". وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان هذه الدول ذات الأغلبية المسلمة لتغاضيها عن هذه الانتهاكات.

تمحو الصين المسلمين الإيغور في تركستان الشرقية، تعذبهم وتختطف الأطفال لتضعهم في دُورِ أيتام تابع للدولة لتعيد تأهيلهم ليصبحوا صينيين بلغتهم وثقافتهم، تمنع المسلمين الإيغور من أداء الصلاة والصوم، تهدم المساجد وتعتقل وتعذب كل من يُعلم القُرآن. تقوم الصين بتعذيبهم بينما تقف دول ضد هذا الأمر بالتصريحاتِ الإعلامية، ودول أخرى تتجنب التدخل في الأمر للحفاظ على علاقتها الإقتصادية مع الصين.