قيادات الجنوب في الرياض حوار الطاولة أم حصار "المنايا"؟
في الوقت الذي تترقب فيه الجماهير الجنوبية ما ستسفر عنه طاولات الحوار في العاصمة السعودية "الرياض"، وبينما تتجه الأنظار نحو تفاهمات سياسية يُفترض أن ترسم مستقبل المنطقة، يبرز مشهدٌ مريب يثير من الرعب أكثر مما يثير من التفاؤل. لم يعد الحديث اليوم عن "مسودات الاتفاق" أو "حصص الحقائب الوزارية"، بل أصبح الحديث عن "قوائم الوفيات" و"سجلات المشافي". إن توالي الحوادث والوعكات الصحية الغامضة التي تضرب جسد القيادة العسكرية والسياسية الجنوبية في الرياض يضعنا أمام تساؤل وجودي: هل نحن أمام قدرٍ محتوم، أم أمام هندسة سياسية خبيثة تهدف لإفراغ الجنوب من أنيابه؟
في عالم المخابرات والسياسة الدولية، تسقط كلمة "صدفة" بمجرد تكرار الحدث مرتين في سياق واحد. فكيف إذا كان الحديث عن ستة من كبار القيادات العسكرية؛ ثلاثة قضوا نحبهم، وثلاثة يصارعون الموت في غرف الإنعاش؟ إن سقوط القادة بجلطات دماغية مفاجئة أو حوادث مرورية في بيئة يُفترض أنها الأكثر أماناً واستضافة، يفتح الباب واسعاً أمام فرضية "التصفيات الناعمة". هذه الأدوات التي لا تترك أثراً لبارود أو بصمات لقاتل، لكنها تؤدي المهمة بدقة متناهية: "إزاحة الرؤوس الصلبة".
لا يمكن للمراقب الحصيف أن يغفل عن "فوبيا" العام 1994 التي تطل برأسها اليوم. فالتاريخ الجنوبي مع حوارات العواصم تاريخٌ مخضب بالدماء؛ من وثيقة العهد والاتفاق في عمان التي تلاها اجتياح الجنوب، إلى عمليات الاغتيال الممنهجة التي طالت الكوادر الجنوبية في صنعاء مطلع التسعينيات.
الفرق الوحيد اليوم هو "التكتيك"؛ فبدلاً من المسدسات الكاتمة للصوت في شوارع المعلا وخور مكسر، نرى اليوم "الجلطات المفاجئة" و"حوادث السير" في مدن الضيافة. العقلية الإقصائية التي أسس لها نظام "عفاش" لا تزال حية، وهي تدرك أن كسر إرادة الشعب الجنوبي يبدأ بكسر عموده الفقري: "قياداته العسكرية المجربة".
التوقيت هو "سيد الأدلة". يأتي هذا الاستنزاف البشري للقيادة الجنوبية في ذروة المخاض السياسي، وفي لحظة يتم فيها الضغط لتمرير تسويات قد لا ترضي طموحات الشارع الجنوبي. إن غياب القائد العسكري القوي عن مشهد القرار يعني بالضرورة إضعاف الموقف التفاوضي للوفد الجنوبي.
فالقائد الذي يمتلك سيطرة فعلية على الأرض هو "الضمانة" الوحيدة لتنفيذ أي اتفاق أو رفضه، وغيابه قسراً يجعل المفاوض السياسي بلا مخالب، ويحول الطاولة إلى منصة للإملاءات لا للحوار.
إن ما يزيد من حالة الغليان الشعبي هو حالة "الغموض" و"الشفافية المعدومة". إن بقاء الوفد الجنوبي والقيادات العسكرية في حالة "استدعاء" مفتوح دون سقف زمني واضح، وتحت ظروف غامضة، يضع الجهات المستضيفة والمجلس الانتقالي أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية. الشارع الجنوبي اليوم لا يطلب بياناً للتعزية، بل يطلب تحقيقاً دولياً وطبياً مستقلاً يكشف حقيقة ما يتعرض له قادته. هل هي سموم ناعمة؟ أم ضغوط نفسية متعمدة؟ أم استهداف تقني متطور؟
إن الدرس الأكبر الذي يجب أن تتعلمه القيادة الجنوبية هو أن "الأمان" لا يُمنح في الفنادق الفارهة، بل يُنتزع على تراب الوطن وبين أوساط الشعب. إن استمرار بقاء ثقل القيادة الجنوبية في الخارج تحت مسمى "الحوار" أصبح يشكل خطراً استراتيجياً يتجاوز خطر الجبهات.
يا قيادة الجنوب: إن التاريخ لا يرحم والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين. إن حماية ما تبقى من الكادر العسكري هي حماية للقضية ذاتها، وأي تسوية تُبنى على أشلاء القادة أو غيابهم قسراً هي تسوية وُلدت ميتة ولن يقبل بها شعبٌ قدم أنهاراً من الدماء ليحمي قراره السيادي. وفي ظل هذه المؤامرات التي تستهدف تفتيت الصف الجنوبي وإضعاف ركائزه، يبرز التمسك بالقائد الرئيس/ عيدروس الزُبيدي كخيار أمثل وضرورة وجودية، فهو الربان الذي خبر الأمواج العاتية، والالتفاف حوله في هذه المرحلة المفصلية هو الضمانة الحقيقية لاستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، وقطع الطريق أمام كل من يراهن على كسر إرادة الجنوب عبر تغييب قادته.




