قراءة نقدية في السياسة الجنوبية..( 1967َم) 

قراءة نقدية في السياسة الجنوبية..( 1967َم) 

بقلم/ ناصر العبيدي

منذ عام 1967، مر الجنوب بمحطات سياسية عديدة ومفصلية كان يمكن أن تشكل أساساً لبناء مشروع وطني متماسك وقادر على حماية مصالحه. غير أن الواقع يكشف أن كثيراً من الممارسات السياسية الجنوبية ظلت أسيرة العاطفة والشعارات، أكثر من اعتمادها على التفكير الاستراتيجي وبناء القوة الفعلية.

إحدى أبرز الإشكالات التي واجهت العمل السياسي الجنوبي تمثلت في ضعف القدرة على قراءة المصالح الوطنية قراءة واقعية، وترجمتها إلى سياسات عملية. ففي كثير من الأحيان، طغت الخطابات العاطفية والتعبوية على التفكير المؤسسي الهادئ القادر على بناء مشروع سياسي طويل الأمد.

كما أن الخطاب السياسي الجنوبي كثيراً ما انشغل بقضايا ثانوية أو صراعات داخلية استنزفت طاقته، في حين بقيت القضايا الجوهرية المرتبطة ببناء الاقتصاد وتعزيز المؤسسات وتطوير القدرات العسكرية والسياسية في مرتبة متأخرة. وهذا الخلل في ترتيب الأولويات ساهم في إضعاف الموقف السياسي الجنوبي في محطات تاريخية عديدة.

غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة التي تحدد الأهداف الكبرى ووسائل تحقيقها كان أحد التحديات الأخرى. فبدلاً من العمل على بناء قوة اقتصادية متماسكة أو مؤسسات دولة قادرة على الصمود، طغت الشعارات والتصريحات الحماسية التي لا تتحول في الغالب إلى برامج واقعية قابلة للتنفيذ.

العمل السياسي الناجح لا يقوم على الخطاب وحده، بل على بناء عناصر القوة الحقيقية: اقتصاد قادر، مؤسسات مستقرة، قدرة عسكرية منظمة، وعلاقات إقليمية ودولية مدروسة تخدم المصلحة الوطنية قبل أي اعتبار آخر.

المرحلة الراهنة تفرض على النخب السياسية الجنوبية إعادة تقييم التجربة السابقة بجرأة وموضوعية. المطلوب اليوم ليس المزيد من الشعارات، بل بناء رؤية استراتيجية واضحة تنطلق من المصالح الوطنية، وتعمل على تحقيقها عبر أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية فعالة.

تطوير العلاقات الإقليمية والدولية يجب أن يتم وفق منطق المصالح المتبادلة، لا وفق الانفعالات السياسية أو الاصطفافات المؤقتة. الدول تبنى عبر حسابات دقيقة للقوة والمصلحة، وليس عبر الخطاب وحده.

تجاوز أخطاء الماضي يبدأ بالاعتراف بها، وبالانتقال من السياسة القائمة على ردود الأفعال إلى سياسة قائمة على التخطيط، ومن الخطاب العاطفي إلى بناء القوة الحقيقية. عندها فقط يمكن تحويل الطموحات الوطنية إلى واقع سياسي مستقر وقادر على حماية مصالح الجنوب ومستقبله.

يبقي الجنوب كما عهدناه حراً أبياً شامخاً لا ينكسر.