قراءة سياسية لبيان المجلس الانتقالي الجنوبي حول حضرموت والمهرة

قراءة سياسية لبيان المجلس الانتقالي الجنوبي حول حضرموت والمهرة

خاص/محور بلس

يأتي بيان المجلس الانتقالي الجنوبي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الأمنية والسياسية في محافظتي حضرموت والمهرة، وتداخل المصالح الإقليمية والمحلية، ما يمنحه أبعادًا تتجاوز كونه ردًا سياسيًا عابرًا، ليشكل وثيقة موقف واضحة المعالم تجاه مجمل المشهد الجنوبي والإقليمي.

أولًا، يعكس البيان حرص المجلس الانتقالي على تثبيت شرعية التحرك العسكري الجنوبي، من خلال ربطه بإرادة أبناء الجنوب ودعواتهم لمواجهة التهديدات الأمنية، وعلى رأسها الجماعات الإرهابية وخطوط تهريب السلاح التي استخدمتها ميليشيات الحوثي خلال السنوات الماضية. هذا الربط ليس تفصيلاً لغويًا، بل محاولة سياسية واعية لنزع أي صفة “تصعيد أحادي” عن التحركات العسكرية، وتحويلها إلى استجابة أمنية مشروعة لفراغ وفشل سابق في إدارة الملف الأمني في وادي وصحراء حضرموت والمهرة.

ثانيًا، يوجّه البيان رسالة مزدوجة إلى الإقليم، وتحديدًا المملكة العربية السعودية، إذ يحرص من جهة على إبداء الانفتاح على التنسيق والتفاهم، ومن جهة أخرى يضع خطوطًا حمراء تتعلق بأمن الجنوب ووحدته ومنع عودة التهديدات. هذا التوازن يعكس إدراك المجلس لحساسية الدور السعودي في هذه المحافظات، وسعيه لتفادي القطيعة السياسية، دون التنازل عن جوهر المشروع الجنوبي أو القبول بترتيبات تُعيد إنتاج الاختلالات السابقة.

ثالثًا، يتوقف البيان عند حادثة القصف الجوي الذي استهدف قوات النخبة الحضرمية، ويصفه بـ“المستغرب”، في توصيف يحمل دلالة سياسية واضحة دون الذهاب إلى التصعيد المباشر. المجلس هنا يسعى إلى تحميل الحدث أبعادًا سياسية تتجاوز كونه خطأ ميدانيًا، مؤكدًا أن مثل هذه الأفعال لا تخدم مسارات التفاهم، ولن تؤثر على إرادة شعب الجنوب أو مساره نحو استعادة حقوقه. هذا الخطاب يعكس محاولة لضبط الانفعال، مع تثبيت موقف مبدئي رافض لأي استهداف للقوى الجنوبية.

رابعًا، يعيد البيان التأكيد على أولوية ملف مكافحة الإرهاب وقطع إمدادات الحوثيين، باعتباره مدخلًا شرعيًا لأي وجود أو تحرك عسكري جنوبي في حضرموت والمهرة. وفي هذا السياق، يحرص المجلس على تجديد التزامه بالشراكة مع دول التحالف العربي، في رسالة تطمين إقليمية مفادها أن المشروع الجنوبي لا يتعارض مع أمن المنطقة، بل يشكل ركيزة من ركائز استقرارها.

خامسًا، داخليًا، يعكس البيان سعي المجلس الانتقالي إلى تجديد التفويض الشعبي للرئيس القائد عيدروس الزبيدي، وتوسيع دائرة الاصطفاف السياسي والمؤسسي حوله، من خلال توجيه الشكر للقوى السياسية، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني، والجاليات الجنوبية في الخارج. هذا البعد الداخلي يؤكد أن المجلس لا ينظر إلى التطورات في حضرموت والمهرة كملف أمني فقط، بل كجزء من معركة سياسية أوسع لتكريس التمثيل الجنوبي وتعزيز وحدة الصف.

في المحصلة، يمكن القول إن بيان المجلس الانتقالي الجنوبي يحمل مزيجًا من الرسائل الدفاعية والهجومية: دفاعية في تبرير التحركات العسكرية وإضفاء الشرعية عليها، وهجومية في تثبيت الحق الجنوبي في إدارة أمن أرضه ورفض أي مسارات تنتقص من هذا الحق. وهو بيان يعكس مرحلة دقيقة من إعادة رسم التوازنات في شرق الجنوب، في ظل صراع الإرادات بين المحلي والإقليمي، وبين واقع أمني هش وطموح سياسي يتقدم بثبات نحو فرض نفسه كمعادلة لا يمكن تجاوزها.