الأمير محمد بن سلمان.. قائد التحولات الكبرى في الملف اليمني
محور بلس - كتب || علي محسن الحسني
منذ اندلاع الأزمة اليمنية، برز الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بوصفه الفاعل الإقليمي الأبرز في رسم ملامح التعاطي مع الملف اليمني، حيث قاد تحولات كبرى تركت آثارًا عميقة على مسار الحرب، وعلى مستقبل الدولة اليمنية، وعلى معادلات الأمن في المنطقة.
في عام 2015، قاد الأمير محمد بن سلمان أول تحول مفصلي بإطلاق عملية عاصفة الحزم، ردًا على انقلاب مليشيا الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء وتمددها باتجاه الجنوب حتى عدن، في خطوة مثّلت موقفًا حاسمًا لحماية الشرعية اليمنية ومنع سقوط الدولة بيد جماعة مسلحة مدعومة من إيران. وقد عبّرت كلمته الشهيرة:
"عدن خط أحمر ولن نسمح باستباحتها"
عن إدراك عميق بأن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المملكة، وأن السيطرة الحوثية على الجنوب كانت ستشكّل تهديدًا مباشرًا للمنطقة بأسرها.
غير أن مسار التحالف العربي شهد لاحقًا تحولًا معقّدًا، تمثل في انحراف بوصلة الصراع من مواجهة الانقلاب الحوثي إلى صراعات داخلية داخل معسكر الشرعية نفسه، بفعل سياسات انتهجتها أطراف داخل التحالف، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة محمد بن زايد، فبدلًا من أن تتحول عدن والجنوب إلى نموذج لاستعادة الدولة وبناء المؤسسات، جرى تحويلهما إلى ساحة نفوذ لجماعات مسلحة خارج إطار الدولة، وتعددت التشكيلات العسكرية ذات الولاءات المختلفة، ما أدى إلى إضعاف سلطة الحكومة الشرعية، وتفكيك المنظومة الأمنية، وإشعال صراعات جانبية استنزفت الجهد الوطني، وشوّهت أهداف التحالف الأصلية.
ومع اتساع نفوذ هذه التشكيلات، شهد الجنوب استباحة واضحة للمؤسسات والمرافق السيادية، وتهميشًا ممنهجًا للقيادات الشرعية، وفرض أمر واقع جديد بقوة السلاح، بالتوازي مع دعم أطراف جنوبية وتغذية الانقسامات الداخلية، وهو ما حوّل مسار المعركة من مواجهة الانقلاب الحوثي إلى صراع داخل البيت الواحد، هذا الانحراف لم يخدم سوى مليشيا الحوثي، التي استفادت من تفكك الجبهة المناهضة لها، وواصلت توسيع نفوذها بدعم إيراني مباشر.
وفي خضم هذه التحولات، برزت القضية الجنوبية بوصفها إحدى أعقد ملفات الأزمة اليمنية، حيث يحمل الجنوب مظالم تاريخية تتطلب معالجة سياسية عادلة في إطار حل سياسي شامل يرتضيه شعب الجنوب.
وقد أكدت المملكة العربية السعودية، في أكثر من موقف، دعمها لحل عادل وشامل للقضية الجنوبية، ضمن مرجعيات الشرعية ، ورفضها لأي مشاريع تقسيم أو فرض أمر واقع بالقوة، إلا أن السياسات الإماراتية على الأرض أسهمت في تعقيد هذا الملف عبر دعم تشكيلات مسلحة ترفض الانصياع لأوامر التحالف، ما عمّق الانقسام، وأضعف فرص الوصول إلى تسوية وطنية متوازنة تحفظ حقوق الجنوبيين وتمنع تمدد الحوثي.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات أسهمت في خلق بؤر توتر تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن المملكة العربية السعودية ودول الجوار، سواء عبر إضعاف الدولة اليمنية، أو تفكيك الجبهة المناهضة للحوثي، أو فتح المجال أمام تدخلات إقليمية أوسع وتحالفات متقلبة تسهم في إعادة رسم خرائط النفوذ على حساب سيادة الدول واستقرار شعوبها، في سياق باتت فيه بعض السياسات الإقليمية عاملًا في تمزيق المقسّم أصلًا بدلًا من حماية وحدة الصف العربي.
ورغم أن الأمير محمد بن سلمان قاد في البداية تحولًا شجاعًا وحاسمًا عبر عاصفة الحزم، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تصحيح المسار، وإعادة توجيه الجهود نحو استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، وإنهاء الانقلاب الحوثي، ووقف الصراعات الجانبية، ومعالجة القضية الجنوبية معالجة سياسية عادلة، وحماية وحدة الصف الوطني، بما يضمن أمن اليمن واستقرار المنطقة.
فاليمن لا يحتمل مزيدًا من التفكيك، ولا المنطقة تتحمل مزيدًا من الفوضى، ولن يُبنى مستقبل البلاد بتحالفات متقلبة أو مليشيات متعددة الولاءات، بل بإعادة الاعتبار للدولة، واحترام إرادة الشعب، وتوحيد الجهود لمواجهة الخطر الحقيقي الذي يمثله المشروع الحوثي الإيراني، وفتح الطريق أمام تسوية شاملة تحفظ اليمن وتعيد للجنوب حقوقه ضمن إطار وطني جامع.
اقرأ المزيد من موقع 24 بوست :




