خُطبةُ الجمعة التي أشعلت المدرسة.. انكسار المُديرة وثورة الطالبات

خُطبةُ الجمعة التي أشعلت المدرسة.. انكسار المُديرة وثورة الطالبات

فى ساحةِ المدرسةِ الثانوية، وقفت الطالباتُ أمام التربية رافضاتٍ أن يكونَ هُناكَ أيُ تعليمٍ دون تواجُدِ مُديرتهنَّ التي أرادت الاستقالة من منصِبِها بسببِ هجومِ أحدَ مشائِخِ المدينةِ عليها في خطبةِ الجمعة.  

سميرة أحمد _ اسم مُستعار _ مُديرة ثانوية للبنات ، تعيّنت مُعلمةً في هذه المدرسة بعد تخرُجِها مُباشرة ، أحبتها الطالبات فرشحنها لتكونَ المُديرةَ الجديدةَ للمدرسة بعد مُغادرة المُدير السابق، لتُصبح مُديرةً رسميةً بعد خمس سنوات من دخولها لتلك المدرسة.

كانت جديدةً على ذلك ولم تمتلك الخبرةَ الكافيةَ بالإدارة لكِنها حاولت، وبذلت جُهدها لتطوير وتحسين المدرسة، حيث كانت المدرسة تفتقرُ لدعمِ المُنظمات وعدم ترشيِحِها من قِبلِ مكاتب التربية في أي أنشطة.

وفي ذلك المكتبِ الصغيرِ الذي امتلئ بصُراخِ بعض أولياءِ الأمورِ، مُستنكرينَ عدمَ نجاحِ بناتهم وتخرجهِنَّ من المدرسة الثانوية، وكانَ سببَ ذلكَ بقولها: " عندما تتخرج الطالبة من الثانوية وهي لا تستطيع الكتابةَ بشكلٍ صحيح فهذا لا يعني أنني مُديرةٌ حقيقية، أُردتُ أن تتخرجَ كُلُ طالبةٍ بشهادةٍ حقيقيةٍ لا مُزيفة ".

أثبتت جدارتها بالإدارة بينما لم تكن مكاتبُ التربيةِ والسلطةِ تُقدمُ أي دعمٍ لأنشطةِ المدرسة، لكنها تحدثت عن دورِ مجلسِ أولياء الأمور ودعمهم لها.

في تِلكَ الصفوفِ المليئةِ بالطالبات، و المليئاتُ بالحُبِ والتقديرِ لمُديرتهن، فكما وصفتها إحدى الطالبات: " المُديرة سميرة هي مُديرةٌ في ذلك المكتب، أما عندما نكون معها فأنها أُختُنا الكُبرى و أُمنا التي تُعامِلُنا كعائِلتِها قبل أن نكونَ طالباتٍ لها ".

في إحدى الأيام قررت المديرةُ أن تقومَ بفعاليةٍ للطالباتِ، أطباقٌ خيرية يشتريها المسؤولينَ في المدينة بمبالغَ كبيرة، وهدف ذلكَ هو جمعُ مبالغٍ ماليةٍ تذهبُ لصالِح المُرابطينَ في الجبهاتِ القتالية، لكِنها تفاجأت باتصالٍ في صباحِ يومِ الجُمعة من أحدهم يُخبِرُها أن تُغير مكان الفعالية و ألا يدخُلَ أحدٌ من الرجالِ للمدرسة، وإذا لم يتمّ تغيير المكانِ بتِلكَ الساعةِ فسيذكُرُها الشيخ سامي _ اسم مُستعار _ في خطبةِ الجُمعة ويحرضَ الناسَ ضدها.

بثقلٍ وانكسارٍ من ذلك الخبر ردت بالموافقةِ ثم ذهبت للمدرسة وغيرت الفعالية لمدرستيّ البنات والأولاد بشكلٍ مُنفصلٍ حتى لا يدخلَ الرجال للمدرسة، رغم ذلك نجحت الفعاليةٌ وتم جمعُ مليونِ ريالٍ لشراءِ معاطفِ الشتاءِ للمقاومينَ في الجبهات مع عدة أطقُمٍ عسكريةٍ ووجباتٍ غذائية لهم. 

لم ينتهي الأمر بل كانَ بدايةَ الهجوم، ولأنها امرأة فحسب ليس للحدثِ نفسه، فبتصريحِ الطالبات و بعض أولياء الأمور أن جميعُ المدارسِ مليئةٌ بالفعالياتِ ويدخُلُها الكثيرونَ عند المُسابقاتِ أو دعم المنظمات، لكن الاختلاف هُنا أن الإدارةَ تُمسِكُها امرأة، فقبل تخرجِ الطالباتِ قررت عَملَ حفلِ وداعٍ وتكريمٍ لهنّ بحضورِ أولياءِ أمورهنّ كأمهاتهنّ و أبائهن، ودونَ سابقِ إنذارٍ في خُطبةِ الجُمعة افتتحَ الشيخ حديثهُ عن المُديرة، لم يذكر اسمها بل ذكر صفتها " مديرةِ ثانوية البنات "، وجعلَ منها محتوىً يُقدمُهُ للحاضريّنَ في المسجد، قائلاً ( ستُدخِلُ أبائهُنّ لينظروا لبناتكُم )، كما لو أن الأب الذي سيحضر متحرشٌ لا أباً ينظرُ لزميلاتِ ابنتهِ كبناته!.

لم تكن المُديرةُ تعلمُ بهذا الأمر، حتى اتصلت لها إحدى طالِباتِها تُخبرُها بما حدث، كانَ هجوماً مُباغتاً ولم تكن لديها فُرصةٌ للدفاعِ عن نفسها، طُعنت بالكلامِ دونَ أن تعلم، وكما قالت: " كان شعوراً سيئاً، أصابني قهرٌ شديدٌ عندما أدركتُ أنني أعيشُ في مُجتمعٍ لا يثقُ بي رغمَ ما قدمتهُ من جُهدٍ وعملٍ واضح "، كما لو أن جُهدها لسنواتٍ ذهبَ لمُجردِ كلمتينِ بلا دليلٍ واضح، غير أن بعضَ الشبابِ هددوا بتفجيرِ المدرسةِ إن أُقيّمَ ذلك الحفل.

وخوفاً على طالِباتِها وتقديريهِنَّ بعدمِ كسرِ فرحتهِنّ بإلغاء الحفل، ألغت المُديرة حضورَ الأباء و تركت المجال للأمهاتِ فحسب، حضرت صباحَ السبتِ مُثقلةً بشعورِ الانكسار مُرغمتاً على الحضور حتى تفرحَ الطالبات، ثم توقفت الدراسة يوم الأحدِ بغيابِ المُديرةِ لأولِ مرة، رفضت الذهاب وقررت الاستقالة من منصبها رغم اعتراضِ طالباتِها، ورغم محاولةِ المُعلماتِ لإعادتِها. وقررت التربيةَ أن يُرشحوا رجُلاً ليكونَ المُديرَ الجديدَ في تناقُضٍ كبير؛ كيف لا يُسمحُ بحضورِ أبٍ لحفلِ ابنته ويُسمحُ لرجُلٍ غريبٍ بالتواجُدِ كُلَ يومٍ في المدرسة؟!.

احتجت الطالباتُ ورفضنَّ الدخولَ إلى الصفوفِ الدراسية، بينما حاولت التربية إجبارهُنّ بالقوةِ رغمَ ذلك فشلوا، وبقيت الطالباتُ على ساحة المدرسةِ استنكاراً لذلك الحدث، ومُطالِباتٍ بعودةِ مُديرتهِنّ سميرة. ثم ذهب بعضُ أولياءِ الأمورِ للشيخ قائِلين أنهم لن يسكتوا عن ذلكَ الأمر، وعليهِ أن يعتذرَ أو قد يتفاقمُ الأمر. اعترفَ بخطأه ثم اعتذرَ عن طريقِهم. لتعودَ للمدرسةٍ بعد الإصرارِ الكبيرِ من بعضِ أولياءِ الأمور، والمعلمات وبالتأكيدِ طالِبتِها. كما وصفتهن المديرة: " كانَ شعوراً رائعاً، شعرتُ أن لديَّ سنداً حقيقياً، ويهونُ كُلُ تعبٍ أمامَ موقفهِنّ، فخورةٌ بِهنّ وما استمريتُ إلا لأجلهِنَّ و لثقةِ أولياء أمورهنَّ بي ".

وفي تصريحِ إحدى الطالبات" الشيخ سامي مُدير لإحدى المدارس الثانوية للأولاد، بذاتِ المدينة، وقد تم الإحتفال بتكريم أوائل الطلاب في مدرسته بحضور الطلاب و الطالبات الأوائل في تلك المدينة،وحضور الأهل و كذا قياداتٍ عسكرية والعديد من الحضور، بعد أن حرضَ الناس ضد المُديرة سامية لأنها أرادت تكريم طالباتِها بحضورِ أبائهِنَّ وأُمهاتهنّ! ". 

من جانبِ أولياءِ الأمور فقد امتدحها الكثير وتوحدوا على ذاتِ الكلمة، بالثقةِ بالمُديرةِ واحترامِها وعلى نجاحِها، تقول أُم نجوى _ اسم مُستعار _:" لا أثق بأحد كما أثق بهذه المُديرة، فعندما كانت ابنتي مُتعبة وأرادت العودة للمنزل اخبرتها ابنتي أن إخوتها ليسوا بالمنزل ليأتوا لأخذها، فأخذتها المُديرةُ بنفسها إلى منزل أُختها الكبيرةَ وعندما وصلت طلبت أن تتصل بي لتُخبرني أنها اوصلتها لمنزلِ أُختِها، ولم تسمح لها بالخروجِ وحدها ". 

وهكذا عادت الأمور لمجراها الطبيعي غير أن هُناكَ بصمتانٍ عالِقتانِ على كتفِ المُديرة، بصمةُ خُذلانٍ وبصمةُ فخرٍ واعتزاز، كما أن البصمةَ الجيدةَ من طالِباتِها و بعضُ أولياءِ الأمورِ هونت عليها ذلكَ الألم وجعلت منها أكثر سعادة.