كيف لا يعترف المجلس الانتقالي بالحكومة الجديدة… لكنه يطالبها بتقديم الخدمات؟
كثير من المتابعين يسألون:
كيف يمكن للمجلس الانتقالي أن يقول إنه لا يعترف سياسياً بالحكومة الجديدة، وفي نفس الوقت يطالبها بتوفير الخدمات للمواطنين كما جاء مثلًا على لسان المسؤول البارز عمرو البيض قبل أيام؟
في الحقيقة هذا ليس تناقضاً كما يبدو، بل هو وضع معروف في السياسة والقانون الدولي.
الاعتراف السياسي يعني الاعتراف بشرعية مشروع أو سلطة من ناحية التمثيل والسيادة. أما التعامل الإداري مع “حكومة أمر واقع” فهو مسألة مختلفة تماماً. في القانون الدولي، أي سلطة تسيطر فعلياً على مؤسسات الدولة وتدير الموارد تُعتبر مسؤولة قانونياً عن تقديم الخدمات الأساسية للسكان، بغض النظر عن الجدل السياسي حول شرعيتها.
بمعنى أبسط:
يمكنك أن تعارض الحكومة سياسياً، وأن لا تعترف بشرعيتها كممثل لك، لكنك في نفس الوقت تعتبرها الجهة الملزمة — بحكم سيطرتها على المال العام والمؤسسات — بتوفير الكهرباء والمياه والرواتب والخدمات. هذه ليست منحة منها، بل واجب قانوني.
هذا النموذج موجود في كثير من دول العالم: قوى سياسية لا تعترف بشرعية حكومات معينة، لكنها تتعامل معها كـ “سلطة أمر واقع” مسؤولة أمام المواطنين. لأن الخدمات ليست قضية اعتراف سياسي، بل قضية حقوق عامة.
وفي نفس الوقت، هذا الموقف يمنح المجلس الانتقالي مساحة سياسية وقانونية واضحة للاحتفاظ بحق المعارضة والتحرك ضد سياسات الحكومة عبر الوسائل السياسية والشعبية والقانونية في الوقت الذي يراه مناسباً. أي أن الفصل بين الاعتراف السياسي وبين المطالبة بالخدمات لا يعني التنازل، بل يعني إدارة الصراع ضمن إطار يحفظ حقوق الناس أولاً.
بالتالي، موقف الانتقالي يمكن فهمه كفصل بين الصراع السياسي وبين حقوق الناس اليومية.
الخلاف على الشرعية لا يلغي مسؤولية من يمسك بالخزينة والمؤسسات تجاه المواطنين، ولا يلغي حق القوى السياسية في معارضته ومحاسبته.
في النهاية، المواطن لا يعيش على البيانات السياسية، بل على الكهرباء والماء والراتب. وأي سلطة تدير الدولة — معترف بها أو محل خلاف — تبقى ملزمة بخدمة الناس.
#يعقوب_السفياني




