القاع الصلب....حين يكون الوطن أعمق من الخلافات
الوطن ليس التراشقات التي تملأ وسائل التواصل ولا الاتهامات المتداولة كبضاعة رخيصة في سوق التحريض. الوطن ليس تلك الأصوات التي تتعالى لتمزق ما تبقى من خيوط مشتركة بين أبناء البلد الواحد.
الوطن أعمق من أن يختزل في لحظة غضب عابرة، أو أن يرهن بتصريح ناري ينسى بعد ساعات..... إنه ذلك المستوى من الوجود الذي لا تصل إليه الأقوال المفبركه ولا تبلغه ردود الفعل الآنية.
ما يحدث اليوم يا رفاق هو صراع على السطح، أمواج تضرب على شاطئ الذاكرة الجماعية لكنها لا تملك من العمق ما يصل إلى القاع.
أما القاع، فهو تلك الطبقة الصلبة التي تشكلت يوم كان الجميع في صف واحد، يوم كانت الأسئلة المصيرية تعلو على تفاصيل الخلاف.
التراشقات تنتمي إلى زمن الخطاب والترندات والضهور بأسم القضيه لا العمل لها، والوطن ينتمي إلى زمن الجوهر.
والخطابات والمقالات تتبدل مع تبدل الظروف، أما الجوهر فلا يتبدل لأنه تأسس بلحظة وجودية لا تُنسى..لحظة قافلة من الشهداء ولحظة الإدراك أن البقاء معا هو الخيار الوحيد.
لكن بالمقابل ليس عيبا أن نختلف، العيب أن نُوهم أنفسنا بأن الخلاف يمس جوهر الوطن. الوطن أكبر من خلافاتنا، كما أن البحر أكبر من اضطراب سطحه. من يظن أن الوطن يهتز بتغريدة أو مقال أو يسقط باتهام، لم يعرف الوطن حق المعرفة.
يبقى الوطن الجنوبي لأن جذوره تمتد في منطقة لا تصلها رياح العبث، وتذهب المناوشات لأنها لا تحتمل أن تُذكر في سفر البقاء.
هذا منتهى الحكمة يا رفاق لا تمنحوا المناوشات أكثر من وزنها، فلا هي تستحق طاقتكم، ولا هي تملك من الجوهر ما يبقيها في الذاكرة!!
الانشغال بالتراشقات هو الانتكاس بعينه أن تنزلوا إلى أرض المعركة التي رسمها غيركم، وتستهلكوا عمرا في الرد على من لا يستحق الرد. والتكاسل هو أن تظنوا أن الوطن يحتاج إلى دفاعكم بالكلمة الساخطة، بالإتهامات الكاذبه في حين أن أقوى دفاع عنه هو أن تعملوا في صمت، وأن تبنوا حيث يهدمون، وأن تبقوا حيث يرحلون.
إصدقائي لا تقرأوا لهم، اقرأوا لأنفسكم. لا تردوا عليهم، ابنوا لمن يستحق البناء. فالطاقة التي تذهب في الجدل العقيم هي عينها الطاقة المفقودة عن العمل الحقيقي.
وطننا اليوم لا يُبنى بالانتصارات اللفظية، بل بالحضور الصامت الذي لا يُهزم. كونوا أثقل من أن ترفعكم رياح العبث، وأكبر من أن تشغلكم تفاصيل الهامش.
د. مدين الأخضر




