وعينا سلاحنا لحماية قضيتنا

وعينا سلاحنا لحماية قضيتنا

محور بلس - كتب|| الإعلامي فؤاد جباري

    بالمناسبة، قبائل الصبيحة وأبنائها ليست مجرد مكون قبلي عادي في الجغرافيا الجنوبية، بل هي واحدة من الركائز العميقة التي تشكل وجدان الجنوب العربي وهويته النضالية عبر التاريخ. فمنذ أزمان بعيدة، ارتبط اسم الصبيحة بالأصالة والصلابة تمامًا كتضاريسها الجغرافية، حيث ظلت هذه القبائل حاضرة في مختلف المراحل التاريخية للجنوب، تؤدي دورها بثبات في حماية الأرض والدفاع عن الكرامة، مستندة إلى إرث قبلي عريق وقيم عروبية متجذرة لا تتغير بتغير الظروف.

    لقد فرضت الجغرافيا على الصبيحة موقعًا استثنائيًا، فهي تمتد على تخوم باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما جعلها بوابة الجنوب الغربية وخط دفاعه الأول عبر مختلف العصور. ومن هذه الأرض التي تجمع بين قسوة الطبيعة وجمالها، خرج رجال عرفوا بالشجاعة والإقدام، رجال لم يكونوا يومًا على هامش الأحداث، بل في قلبها، يصنعون المواقف ويخطون بدمائهم صفحات مشرفة في تاريخ الجنوب، بصرف النظر عن ظلم الأنظمة المتعاقبة لأبنائها.

    وفي زمن الاستعمار البريطاني، لم تكن الصبيحة بعيدة عن مشهد المقاومة، بل تعاملت مع الواقع بوعي ورفض فطري للهيمنة، فكانت حاضرة في مواقف التحدي، ولم تقبل أن تكون خاضعة، بل حافظت على استقلال قرارها وروحها الرافضة لكل أشكال الإخضاع. ومع انطلاق ثورة التحرير الأكتوبرية، كانت الصبيحة في طليعة الصفوف، تقدم أبناءها في ميادين النضال، وتسهم في صناعة الاستقلال أمثال المناضل البطل الرئيس قحطان محمد الشعبي، والذي يعد من أبرز القيادات النضالية السياسسية التي قادت العمل الوطني ضد الاستعمار البريطاني وكان له شرف إعلان بيان الاستقلال، وهذا ما يؤكد أن قبائل الصبيحة ليست فقط قوة ميدانية، بل حاضنة وطنية تنتج القيادات وتدعم مسيرة التحرر والبناء.

    ومع تعاقب المراحل، استمرت الصبيحة في أداء دورها الوطني والنضالي، فكانت جزءًا من بناء الدولة الجنوبية، وساهم أبناؤها في المؤسسة العسكرية والأمنية، محافظين على الاستقرار، ومؤكدين أن الانتماء للجنوب ليس شعارًا، بل مسؤولية تترجم إلى عمل وتضحية. وعندما واجه الجنوب تحديات جديدة في السنوات الأخيرة، عادت الصبيحة لتؤكد موقعها الطبيعي في الصفوف الأولى في حرب صيف 1994 المشؤمة وثورة الحراك وما تلاها من أحداث حرب 2015، حيث قدمت قوافل من الشهداء والجرحى قادة وأفراد، وظلت حارسًا أمينًا للبوابة الغربية، تقف بثبات في وجه الأخطار، وتحمي الأرض بقلوب لا تعرف التراجع.

    إن ما يميز قبائل الصبيحة ليس فقط تاريخها الطويل، بل منظومة القيم التي تحكمها، من شجاعة ووفاء وتماسك اجتماعي، وهي قيم جعلت منها نموذجًا يحتذى به في الصبر والثبات، ورسخت مكانتها كأحد أعمدة الجنوب الأساسية. وهذه المكانة لم تأت من فراغ، بل من تراكم نضالي طويل، ومن تضحيات جسيمة قدمتها في مختلف المراحل دفاعًا عن الأرض والهوية.

    وفي ظل ما تحاول بعض القوى المعادية للجنوب الترويج له من خطاب يهدف إلى إثارة الفتن وزرع الانقسام، تبرز أهمية استحضار هذا التاريخ، ليس فقط للاعتزاز به فحسب، بل لحماية الحاضر من محاولات التشويه. فقبائل الصبيحة -بهذا الإرث العريق- كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من الجنوب، ولن تكون يومًا إلا في خندقه، ولن تنجر وراء أي أجندات تستهدفه أو تحاول النيل من قضيته.

   إن رجال الصبيحة، الذين سطروا ملاحم التضحية والفداء، لا يمكن أن يقبلوا أن يكونوا معول هدم أو وسيلة لإضعاف الجنوب، كما تحاول بعض الأطراف أن توحي أو تروج. وأي أصوات قد تخرج عن هذا السياق، فهي لا تمثل إلا أصحابها، ولا تعكس موقف قبائل الصبيحة ولا تاريخها ولا مبادئها الراسخة. *ومن هنا، فإن أي نقد يجب أن يوجه للأشخاص لا للقبائل ولا للمناطق، لأن التعميم ظلم، وهو ما يسعى إليه من يريد تفتيت اللحمة الجنوبية وإشعال الصراعات الداخلية.*

    وللعلم، نؤكد يقينًا أن هذه المحاولات ستفشل، لأن وعي شعب الجنوب اليوم أكبر من أن يخدع، وتماسكه أقوى من أن يكسر، وإدراكه لحجم التحديات أعمق من أن يستدرج إلى صراعات جانبية. وستبقى الصبيحة -كما كانت دائمًا- درع الجنوب الصلب، وحارسه الأمين، وعنوانًا للوفاء الذي لا يتغير مهما تبدلت الظروف.

#فؤاد_قائد_جُباري