ثلاثة سيناريوهات للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في شهرها الثاني
محور بلس/ متابعات
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية شهرها الثاني، تتجه الأنظار إلى مساراتها المحتملة في ظل تعقيدات ميدانية وتشابكات إقليمية متزايدة، منذ اندلاعها في 28 فبراير/شباط الماضي.
وبين مؤشرات التصعيد واحتمالات التهدئة، تبرز 3 سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة؛ فإما تصعيد شامل قد يفتح الباب أمام توسع جغرافي للحرب وضربات أكثر كثافة وربما بدء عمليات برية، أو تصعيد مضبوط يقتصر على ضربات محسوبة ضمن وتيرة زمنية أطول بهدف إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، أو بداية تهدئة تدريجية تقودها جهود الوساطة والدبلوماسية، مع مؤشرات أولية على رغبة الأطراف في تجنب تداعيات أكثر خطورة.
تصعيد شامل
تشير المعطيات الميدانية والتقديرات العسكرية المتداولة في الأوساط الغربية إلى أن سيناريو التصعيد الشامل -بما في ذلك احتمال شنّ عمليات برية أمريكية داخل إيران- بات مطروحا بجدية، وإن لم يصل بعدُ إلى مرحلة القرار الحاسم. وقد تجلى ذلك في مؤشرات الاستعداد العسكري، بالتوازي مع استمرار الجهود الدبلوماسية التي قد تكون نتائجها حاسمة في تحديد اتجاهات التصعيد.
وفي هذا السياق، تناولت تقارير صحفية غربية ملامح هذا السيناريو مشيرة إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط عبر نشر آلاف الجنود، بينهم قوات من مشاة البحرية (المارينز) ووحدات مظلية، في خطوة توحي بجاهزية عملياتية، لكنها تبقى مرتبطة باحتمال تعثر الجهود السياسية.
وفي المقابل، تؤكد تصريحات رسمية أمريكية استمرار الرهان على الحلول غير العسكرية، حيث أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى إمكانية تحقيق الأهداف دون اللجوء إلى تدخل بري، مما يعكس حذرا سياسيا من الانخراط في حرب طويلة ومكلفة.
ورغم هذا الخطاب الحذر، تفيد تقديرات عسكرية بأن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) تضع بالفعل تصورات لعمليات برية محدودة قد تنفذ داخل الأراضي الإيرانية، تشمل هجمات نوعية تنفذها قوات خاصة ووحدات مشاة، بهدف تحقيق أهداف تكتيكية سريعة دون الانزلاق إلى غزو واسع النطاق.
وتبرز جزيرة خارك باعتبارها أحد الأهداف ذات الأولوية في هذا السيناريو، نظرا لدورها الحيوي في منظومة تصدير النفط الإيراني، إذ تمر عبرها النسبة الكبرى من الصادرات النفطية.
غير أن أي محاولة للسيطرة عليها قد تواجه تحديات كبيرة، في ظل توقعات بمقاومة إيرانية مكثفة تشمل استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام البحرية، إلى جانب صعوبات في تأمين الجزيرة بعد السيطرة عليها.
كما تشير تقديرات إلى أن حجم القوات الأمريكية المنتشرة حاليا لا يعكس استعدادا لغزو شامل، مقارنة بالتجارب السابقة في العراق وأفغانستان، وهو ما يعزز فرضية الاكتفاء بعمليات محدودة.
ويزداد تعقيد هذا السيناريو في ضوء خبرة إيران في أساليب الحرب غير المتكافئة، وقدرتها على استهداف القوات الأمريكية بوسائل متعددة، مما يزيد احتمالات الخسائر ويجعل قرار التوغل البري أكثر حساسية.
وقد أثارت تقارير عن وصول تعزيزات من قوات النخبة الأمريكية -بما في ذلك وحدات من الفرقة 82 المحمولة جوا- موجة واسعة من التكهنات بشأن اقتراب تنفيذ عمليات برية، خاصة مع تلميحات غير حاسمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن خطط محتملة للسيطرة على جزيرة خارك.
كما عززت هذه المؤشرات تقديرات تربط بين هذا التحرك العسكري ومساع محتملة لإعادة فتح مضيق هرمز، رغم التحذيرات من أن أي خطوة من هذا النوع قد تضع القوات الأمريكية في مواجهة مباشرة مع ردود إيرانية مكثفة.
وتحذر تقديرات أخرى من أن السيطرة على أهداف محدودة -مثل جزيرة خارك- قد لا تكون كافية لإحداث تحول إستراتيجي في سلوك طهران، في حين قد تدفع إيران إلى توسيع نطاق الرد عبر استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، وهو ما قد يفاقم تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة العالمية، ويرفع المخاطر الإقليمية إلى مستويات غير مسبوقة.
حرب الاستنزاف
من ناحية أخرى، يبرز سيناريو “التصعيد المضبوط” باعتباره خيارا آخر لمواصلة الحرب دون زيادة كُلفها، إذ تتجه الأطراف نحو إدارة الصراع عبر ضربات محسوبة ومتبادلة، ضمن وتيرة زمنية ممتدة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وينطلق هذا السيناريو من مبدأ استهداف أهداف نوعية ومماثلة، في إطار ما يُعرف بسياسة “العين بالعين”، وإن كانت هذه القاعدة تشهد تحولات تدريجية مع تصاعد حدة خطاب الأطراف المتحاربة.
فقد أظهرت تصريحات أخيرة للحرس الثوري الإيراني ميلا نحو تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، مع التلويح بفرض معادلات ردع جديدة، في ظل اتهامات لإسرائيل بتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت نووية واقتصادية وتعليمية.
ميدانيا، تتجسد ملامح هذا السيناريو في تكثيف الضربات الجوية على أهداف بعينها، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ مئات الغارات على منظومات الصواريخ الإيرانية في فترة زمنية قصيرة، بالتوازي مع توجه لاستهداف الصناعات العسكرية الثقيلة.
وفي المقابل، أعلنت طهران استهداف منشآت داخل إسرائيل مرتبطة بالقطاع العسكري، مما يشير إلى انتقال المواجهة نحو استهداف منشآت حيوية لدى الطرفين.
كما تعكس التهديدات المتبادلة -بما في ذلك تلويح الحرس الثوري باستهداف مؤسسات أكاديمية- توسعا في بنك الأهداف، مع بقاء العمليات ضمن سقف محسوب يهدف إلى تحقيق تأثير ردعي.
ويواكب ذلك تنسيق عسكري متزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يشمل إعداد خطط هجومية مشتركة وزيارات ميدانية لقادة عسكريين.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن العمليات تتركز على تحقيق أهداف مرحلية، بدءا بتفكيك منظومات الدفاع الجوي، ومرورا باستهداف القدرات الصاروخية، ووصولا إلى ضرب البنية الاقتصادية وخصوصا في قطاع الطاقة.
وتبرز أيضا المضائق البحرية -وعلى رأسها مضيقا هرمز وباب المندب- باعتبارها أدوات ضغط إستراتيجية ضمن هذا السيناريو، إذ تسعى إيران إلى استخدام التهديد بإغلاقها أو تعطيل الملاحة فيها ورقة ردع اقتصادية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
وقد انعكس ذلك التهديد بالفعل في ارتفاعات حادة لأسعار النفط، وسط مخاوف من تصعيد إضافي قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع في الإمدادات.
على نحو موازٍ، يتبلور سيناريو “بداية التهدئة” باعتباره خيارا محتملا مدفوعا بحراك دبلوماسي متسارع، يسعى إلى احتواء الصراع وفتح قنوات تفاوض بين الأطراف المعنية.
ويعكس هذا المسار إدراكا متزايدا لكلفة استمرار المواجهة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، في ظل مخاوف من اتساع رقعة الحرب وتداعياتها الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد اجتماعا رباعيا ضم وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا، في محاولة لتنسيق جهود الوساطة والدفع نحو وقف التصعيد.
ويأتي هذا التحرك ضمن سلسلة مبادرات دبلوماسية تهدف إلى تقريب وجهات النظر، رغم استمرار حالة الجمود وانعدام الثقة بين واشنطن وطهران.
وقد تكشفت ملامح مسار تفاوضي غير مباشر، إذ تحدثت مصادر دبلوماسية عن تبادل مقترحات بين الجانبين، شملت ورقة أمريكية مكونة من 15 بندا تناولت ملفات البرنامجين النووي والصاروخي والممرات البحرية، في مقابل طرح إيراني مختصر من خمس نقاط.
وتواصل طهران نفي وجود مفاوضات مباشرة، مع الإبقاء على قنوات اتصال عبر وسطاء إقليميين.
على الصعيد الأمريكي، تشير تصريحات صادرة عن البيت الأبيض إلى رغبة الرئيس ترمب في تجنب الانزلاق إلى “حرب أبدية”، مع تفضيل البحث عن مخرج سياسي ينهي العمليات العسكرية ضمن إطار زمني محدود.
وترافق ذلك مع رسائل طمأنة موجهة للأسواق المالية، تؤكد اقتراب تحقيق الأهداف العسكرية، مع إمكانية البدء في تقليص العمليات تدريجيا.
وفي السياق ذاته، تحدثت تقارير عن مناقشات أولية داخل الإدارة الأمريكية بشأن مسار دبلوماسي محتمل، بمشاركة شخصيات بارزة، في وقت تطرح فيه واشنطن شروطا تتعلق بتقييد البرنامج الصاروخي الإيراني ووقف تخصيب اليورانيوم، مقابل حوافز محتملة تشمل إعادة أصول مالية مجمدة.
في المقابل، تركز المطالب الإيرانية على وقف إطلاق النار والحصول على ضمانات بعدم تجدد الحرب، إضافة إلى تعويضات عن الأضرار، وهو ما يعكس فجوة لا تزال قائمة بين مواقف الطرفين، رغم المؤشرات على استعداد مبدئي لمواصلة الاتصالات غير المباشرة.
ورغم هذه التحركات، يظل هذا السيناريو مرهونا بقدرة الوسطاء على تضييق فجوة الثقة، وبمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، في وقت لا يزال فيه التصعيد قائما ومستمرا على الأرض. كما تبقى احتمالات تعثر المسار التفاوضي مطروحة، مما يجعل مسار التهدئة هشا وقابلا للانتكاس في أي لحظة.




