هي حاجة في النفس

لم تكن ولن تكون مواقفي في القضايا العامة والوطنية نابعة من منطلقات شخصية، بل إنني دفعت ثمناً لذلك في محطات عدة، وخسرت ما كان يمكن أن يُكسبني الكثير لو اخترت الطريق الأسهل. والسبب دائماً—وبعيداً عن أي مزايدة أو ادعاء للوطنية—هو شيء في داخلي، حاجة فطرية وأصيلة لا أستطيع تغييرها، حتى لو تمنيت ذلك.

صدقاً، تمنيت كثيراً لو كنت أستطيع التماشي مع التيار، أو السباحة مع المصلحة الشخصية، أو أن أقول ما يُرضي ويُكسبني القبول والراحة… لكني لا أستطيع. هذا ببساطة لا ينسجم مع “السيستم” الداخلي الخاص بي. لا أستطيع التطبيل، لا أستطيع مواجهة الشارع وكسر خاطر الناس، لا أستطيع الوقوف ضد أسر الشهداء أو ضد الناس في قضاياهم العادلة.

من يعرفني عن قرب، ومن تابعني لسنوات، يعرف أنني دائماً منحاز للناس. في عز قوة المجلس الانتقالي، عندما كان في ذروة حضوره، انتقدت قيادته بشكل واضح، وانتقدت سياساته، وانتقدت ممارسات سلطاته في عدن وغيرها، خصوصاً في ملفات الخدمات والأداء السياسي، وتفشي المحسوبية والأخطاء على كل المستويات. وكل هذه المواقف موجودة في هذه الصفحة، ومنشورة على مواقع إخبارية باسمي.

لم أكن حينها أستعرض، بل كانت مواقف أدفع ثمنها. تعرضت للتشويه، وتم التشكيك بي وبمواقفي، بل إن بعض من كانوا داخل المجلس الانتقالي نقلوا عني ووشوا بي، وقدموا ذلك لقياداته على هيئة (سكرين شوت) من أجل الإضرار بي. والمفارقة المضحكة أن كثيراً من هؤلاء أنفسهم—المزايدين والحراس الوهميين—هم اليوم في الرياض مع من حلوا بمحض إرادتهم، وهم أنفسهم من يهاجمون المجلس ورئيسه الذي كانوا بالأمس يتقربون إليه ويذكرون اسمه أكثر من أذكار الصباح والمساء.

لو كنت صاحب مصلحة شخصية، لكنت حيث هم. ولو كانت حساباتي نفعية، لكنت صفّقت حين كان المجلس في أوج قوته، وركبت الموجة كما فعل غيري. وقد طُرحت عليّ فرص، رفضتها حفاظًا على استقلاليتي وعملي كصحفي وباحث. 

ومن غير المنطقي اليوم أن يُقال إن موقفي نابع من مصلحة شخصية. أي مصلحة هذه؟ والمجلس اليوم يواجه ضغوطاً ومحاولات إضعاف واستهداف وتفكيك؟ إن دعمك أو إنصافك له في هذه اللحظة—كباحث أو كصحفي—قد يضعك في مرمى الانتقادات والمشاكل، لا العكس.

هي حاجة في النفس… إن خذلتها خذلتني، وإن صدقتها أنقذتني.
لشعب الجنوب الكريم الحرية والعز والكرامة التي يستحقها.
ولا نامت أعين الجبناء

#يعقوب_السفياني