الاستقرار يبدأ من التوازن بين الأمن والإعلام

في الأوطان التي تبحث عن الاستقرار الحقيقي لا يكفي أن يكون هناك أمنٌ حاضر يضبط الأرض ولا إعلامٌ نشط يملأ الفضاء لأن الاستقرار لا يُبنى بنصف رؤية بل بتكاملٍ واعٍ بين من يحمي الواقع ومن يفسره للناس فالأمن والإعلام ليسا طرفين منفصلين بل وجهان لحقيقة واحدة تتضمن في طمأنينة المجتمع.

حين يعمل الأمن بصمتٍ ومسؤولية ويأتي الإعلام ليعكس الصورة بصدقٍ واتزان تتشكل حالة نادرة من الثقة ثقة تجعل المواطن يشعر أن ما يُقال له قريب مما يراه وأن ما يحدث حوله مفهوم لا مُربك أما حين يختل هذا التوازن تبدأ الفوضى من حيث لا نتوقع ونجد خبرٌ صغير أو إشاعة عابرة أو تحليل متسرع تتحول إلى كرة ثلج تكبر وتدفع الناس إلى القلق، وتفتح أبوابًا لا تُغلق بسهولة.

الحقيقة أن الكلمة لم تعد مجرد وسيلة نقل بل أصبحت قوة تأثير قد تهدئ وقد تُشعل وقد تبني وعيًا وقد تهدمه في لحظة وهنا تتجلى حساسية العلاقة بين الأمن والإعلام لأن أحدهما يمسك بالأرض والآخر يمسك بالعقول وإذا اختل ميزان العقول لن يستقر ما على الأرض.

المشكلة ليست في الإعلام كفكرة بل في غياب المهنية كقيمة حين يتحول بعض من يتصدرون المشهد إلى مجرد ناقلين بلا تحقق أو أصوات تبحث عن الانتشار لا عن الحقيقة ويصبح الإعلام عبئًا على المجتمع بدل أن يكون سندًا له وتُنشر الشائعة كأنها حقيقة ويُضخم الحدث حتى يفقد معناه ويُترك الناس في دائرة من الشك لا يعرفون فيها أين يقفون.

وفي هذا المشهد لا يتأثر الوعي فقط بل يتأثر الأمن ذاته لأن الفوضى لا تبدأ دائمًا من الشارع بل كثيرًا ما تبدأ من فكرة من كلمة من معلومة خرجت بلا مسؤولية ثم وجدت من يصدقها وينشرها حتى أصبحت واقعًا يُتعامل معه.

ولهذا لم يعد كافيًا أن نرفع شعار حرية الإعلام بل لا بد أن نُعيد تعريفها فالحرية ليست أن تُقال الكلمة بلا قيد بل أن تُقال بوعي وليست في سرعة النشر بل في دقته والإعلامي الحقيقي لا يُقاس بعدد متابعيه بل بمدى احترامه لعقولهم.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطار يحمي هذا التوازن وتفعيل قانون النشر لم يعد ترفًا بل ضرورة تحمي المجتمع من العبث وتعيد للكلمة وزنها لذلك فالقانون لا يقف ضد الإعلام بل يقف مع الإعلام الحقيقي ويميّز بين من يحمل رسالة ومن يعبث بها بين من ينقل الحقيقة ومن يصنع الفوضى.

في النهاية لا يُقاس استقرار الأوطان بعدد الدوريات ولا بكمية الأخبار بل بمدى وعي الناس وبمدى صدق ما يصل إليهم فإذا انسجم الأمن مع إعلامٍ مسؤول استقرت الحياة وإذا افترقا ارتبك كل شيء.

المعادلة واضحة لكنها حاسمة إما أن يكون الإعلام سندًا للأمن أو ثغرة تُفتح منها الفوضى وإما أن نحمي الكلمة أو نتحمل جميعًا نتائجها.