(أجنحة لا تطير)
محور بلس
للكاتب فادي الفقيه
اليوم، وبينما كنت أتناول قهوتي على شُرفة المنزل، كان العالم من حولي يَعزف سيمفونيته اليومية في تناغمٍ مدهش!
الطيور تُحلق في فضاء مفتوح لا نهاية له، والقطط تركض في الشوارع بخفة وفضول، والناس يسيرون في دروبهِم مُسرعين نحو حياةٍ لا تتوقف، فيما الغيوم تمضي في السماء كأنها ريشة فنان، ترسم لوحتها بلا خوف أو قيد أو حدود..!
كل شيء كان يمضِ بحرية، ينبض بالحياة، وكأن الكون بأسره يردد كلمة واحدة "الحرية".
شعرت بها وأنا أرفع الكوب ناظراً للحياة، حُراً في أن أحتسي قهوتي على مَهل، بلا موعد ولا انتظار، ثم التفتت إلى ركن الشُرفة، حيث يجلس "تيمور"، أرنبي الصغير المدلل، الذي أربيه منذ شهور هُناك، أدركت أن المشهد كله حُراً إلا هو..!
تساءلت بدهشة، لماذا هو السجين الوحيد في هذا المشهد الطليق؟!
ثم أجبت نفسي بصوتٍ خافت: "أنا من صنع سجنه" أنا من قرر أن يحتضنه، ويطعمه، ويحميه من قسوة العالم، ظناً مني أنني أمنحه الأمان والحُب لكن، في المقابل، نزعت منه حقه الأول، الحرية..!
هل كنتُ أنانياً حين ظننت أن رعايتي عطاء؟!
هل الحُب حين يخاف على من يُحب، يُصبح قيداً؟!
كم مرة أخفينا خوفنا على الآخرين، رغبتنا في امتلاكهم؟!
وكم من حُب في جوهرهِ ليس إلا سجنٍ من ذهب؟!
أفكر أحياناً في أن أفتح له الباب، أن أتركه يَنطلق كما وُلد، طليقاً تحت السماء... لكن فكرة أن يضيع، أو أن يَلتهمهُ الجوع، أو أن ينتهي على مائدة أحدهم، تجعل يدي تتراجع، أحتفظ به لأحميه، أو ربما لأُرضي نفسي بوهمٍ أنني الأحنّ عليه في هذا العالم، على كل حال لا يمكنني أن أتركه يذهب..!
يا ترى، هل هو سعيد برفقتي؟
أم أنه يختبئ خلف صمته، يتوق لسماءٍ أوسع من سقف بيتي؟
كم أتمنى لو كان بإمكانه أن يجيبني، فقط لأطمئن...
هل أنا أمنحه حياة أفضل، أم أسرق منه حريته التي خُلِق لأجلها؟!
وربما، في جوهر الحقيقة، كلنا “تيمور”
فمن جهة نعيش بين من يحبّنا فيغلق علينا قفصه خوفاً من ضياعنا، ونحنُ ايضاً نُقيّد من نُحب باسم الحُب من جهة أخرى..!
نُطلي الأقفاص بالحنان، ونظن أننا نمنح أماناً،
لكننا ننسى أن الأمان بلا حرية... شكل آخر من الأسر،
فالحرية ليست ترفاً، بل هي النفس الأول للحياة،
ومن دونها يصبح الحُب نفسه، سجناً ناعم الجدران، وأجنحة لا تطير..!




