قداسة "القِبلة الواحدة"

قداسة "القِبلة الواحدة"

محور بلس- وسيم العلاج:

ما تشهده الساحات اليوم، وما ترسمه قوافل الوفود المتدفقة من كل فج وصوب، ليس مجرد حشود عابرة أو زحاماً تفرضه اللحظة، بل هو انفجار الوعي الكامن، وتجسيد حي للمعنى الحقيقي لـ "القبلة الواحدة" التي لا يخطئها قلب مؤمن بوطنه...

ما هي هذه "القضية" التي تجعل المواطن يقتسم قوت عياله ليؤمّن وقود رحلته، ويزحف من أقصى الجبال والوديان نحو العاصمة عدن؟

إنها قضية "الروح التي رُفضت، والهوية التي صودرت"...

هؤلاء القادمون من كل المحافظات والمدن، لم يأتوا ليصطفوا خلف "فرد" أو لتمجيد "شخص"، بل جاءوا ليحرسوا "ذاتهم" ويستعيدوا وجودهم. لقد جرب هذا الشعب مرارة أن يكون "ملحقاً"، وعاش ذلّ أن يكون "هامشاً"، فوجد أن ثمن الخنوع أغلى بكثير من ثمن التحدي...

في هذا الزحف المهيب تذوب "الأنا" الفردية، وتتلاشى الصراعات الجانبية.

وفود أتت من الجبال والمدن والقرى، وهي تحمل أكثر من هم، وأكثر من وجع، وأكثر من اختلاف. فيهم من يختلف سياسياً، وفيهم من يتخاصم قبلياً (قبائل قد لا يربطها ود، وجيران قد لا يتفقون)، وفيهم من فرقته سنوات الحرب والخذلان. ومع ذلك ذاب كل هذا أمام "عظمة القضية"...

هذا لا يحدث بقرارٍ إداري، بل بظهور "المقدس الوطني". هل يدرك العالم عظمة أن يتجاوز الإنسان ثأره القديم، وخلافه السياسي المر، وأوجاعه المعيشية، ليقف كتفاً بكتف تماماً كما يقف المسلمون في الصلاة؛ الغني بجانب الفقير، والقوي بجانب الضعيف، والمختلف بجانب المختلف، هكذا اليوم أصبحت القضية الجنوبية هي "الدين السياسي" و"القِبلة" التي يتجه إليها الجميع صموداً ويقيناً.

الرهبة الحقيقية لا تكمن في طول قوافل المركبات أو أعداد البشر، بل في تلك القوة الخفية التي وحدت القلوب قبل الأقدام. لقد زحفت الجبال والوديان نحو الساحل لتؤكد أن القضية الجنوبية ليست مجرد "ملف بارد" على طاولة الأمم المتحدة، بل هي قرار وجودي ورغبة شعب قرر أن يمسك بزمام مصيره بيده، رافضاً أن يُرسم مستقبله في الغرف المظلمة.

هذا التوافد الشعبي هو إعلان صريح لنهاية زمن "الوصاية"، وصرخة مدوية في وجه المجتمع الدولي والمنظومات السياسية تقول: "لسنا جزءًا من التفاوض، نحن التفاوض والتفاوض يبدأ بنا".