أدميرال أمريكي: باب المندب ساحة استنزاف استراتيجي للقوة البحرية الأمريكية
محور بلس - وكالات:
اعتبر الأدميرال المتقاعد في البحرية الأمريكية جيمس فوجو أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد ساحة صراع هامشية، بل أصبحت ميداناً عملياً لاختبار قدرة الردع البحري الأمريكي وحماية التجارة العالمية وأمن الحلفاء، محذراً من أن ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب سيحدد شكل معادلة الأمن البحري لسنوات مقبلة.
وفي تحليل نشرته صحيفة Jerusalem Strategic Tribune تحت عنوان "أصبح الشرق الأوسط الآن بمثابة اختبار حي للردع البحري الأمريكي"، أشار فوجو إلى أن انتشار مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية الضاربة، مثل USS Abraham Lincoln، في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد مجرد استعراض للقوة، بل يمثل ركناً أساسياً في استراتيجية ردع استباقي داخل بيئة بحرية متنازع عليها.
وأوضح أن حاملة الطائرات من فئة نيميتز، برفقة طرادات ومدمرات مزودة بنظام إيجيس، توفر دفاعاً جوياً وصاروخياً متعدد الطبقات، إضافة إلى قدرات هجومية وحرب إلكترونية ومنظومات قيادة وسيطرة متكاملة. غير أن بيئة التهديد على امتداد الساحل اليمني – بحسب التحليل – شهدت تحولاً جذرياً في طبيعتها وحجمها.
والأدميرال جيمس جي. فوجو، من البحرية الأمريكية (متقاعد)، هو عميد مركز الاستراتيجية البحرية وعضو مجلس إدارة معهد الدراسات الاستراتيجية المشتركة. شغل سابقًا منصب قائد القوات البحرية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، وقيادة القوات المشتركة للحلفاء في نابولي. قاد مناورات مشتركة لحلف الناتو (عمليات البلطيق) في عامي 2015 و2016، بالإضافة إلى مناورة ترايدنت جانكشر في عام 2018.
ويرى فوجو أن مضيق باب المندب يمثل شرياناً حيوياً يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وقناة السويس، وأن تموضع منصات إطلاق صواريخ كروز المضادة للسفن والصواريخ الباليستية المضادة للسفن والطائرات المسيّرة الهجومية والألغام البحرية والزوارق غير المأهولة على الساحل الغربي لليمن، يمنح الجهات المسلحة قدرة مباشرة على استهداف خطوط الملاحة التجارية ومجموعات المهام البحرية في المياه الدولية.
وأشار إلى أن الحوثيين أظهروا خلال الفترة الماضية تطوراً تقنياً ملحوظاً في استخدام هذه المنظومات، لافتاً إلى أن ترسانتهم تعكس دعماً خارجياً متواصلاً، شمل – وفق تحليله – مكونات تقنية وتدريباً ومساعدة في تحديد الأهداف ونقل أسلحة، ما أسهم في زيادة مدى الهجمات وتحسين دقتها وتعقيد أنماطها، وخلق شبكة تهديد ساحلية متعددة الطبقات قادرة على تقليص زمن الإنذار وتعقيد مهام الدفاع البحري.
ورغم أن نظام إيجيس القتالي قادر على تتبع مئات الأهداف بالتوازي، وتوفر صواريخ الاعتراض القياسية دفاعاً متعدد المستويات، إلا أن الأدميرال المتقاعد شدد على أن أكثر المنصات البحرية تطوراً تبقى خاضعة لقيود الجغرافيا والفيزياء. فانتشار منصات إطلاق متنقلة على مئات الأميال من السواحل، وتحليق الطائرات غير المأهولة على ارتفاعات منخفضة وبمسارات غير منتظمة، يضاعف العبء الدفاعي ويزيد من استهلاك الموارد الاعتراضية والاستخباراتية.
ووصف فوجو هذا الواقع بأنه نموذج للحرب الهجينة الحديثة في البحر، حيث لا يكون الهدف تحقيق نصر عسكري حاسم، بل استنزاف القوات البحرية، وفرض حالة اضطراب مستمرة، ورفع كلفة التشغيل والتأمين والشحن. فكل صاروخ أو مسيّرة يُطلق، بحسب تحليله، يجبر القوات على استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن، وإعادة توزيع أصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، ما يخلق معادلة استنزاف غير متكافئة.
ولفت إلى أن العمل ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الساحلية يفرض حالة تأهب قصوى دائمة على مجموعات حاملات الطائرات، إذ يتعين على طائرات الإنذار المبكر الحفاظ على دوريات موسعة، وعلى المدمرات العمل بأقصى درجات الجاهزية، فيما تبقى أنظمة الحرب الإلكترونية والدفاع السيبراني في حالة تشغيل مستمر لمواجهة شبكات الاستهداف، ما يرفع وتيرة العمليات ويزيد احتمالات التصعيد.
وبالإضافة إلى التهديدات الساحلية، أشار التحليل إلى طبقة ثانية من المخاطر تتمثل في البيئة الأمنية المتصدعة داخل اليمن، التي وفرت تاريخياً مساحة لتنظيمات عابرة للحدود، بينها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، لاستعادة قدراتها اللوجستية والتجنيدية. واعتبر أن وجود ميليشيات مدعومة من إيران على الساحل، إلى جانب شبكات متطرفة في الداخل، يخلق تقاطعاً خطيراً للتهديدات غير المتكافئة ضمن مساحة جغرافية محدودة، حتى دون وجود تنسيق أيديولوجي مباشر بينها.
وأكد فوجو أن تداعيات هذا المشهد تطال القوات الأمريكية وحلفاءها الإقليميين على حد سواء، حيث تقع منشآت وقواعد ضمن نطاق متزايد من تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تعمل السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر في ظل مخاطر مستمرة، ما يستدعي تكاملاً فورياً بين أنظمة القيادة والسيطرة والتحالفات الدولية.
وشدد على أن حرية الملاحة لا تتحقق تلقائياً، بل تتطلب قوة ذات مصداقية ووجوداً دائماً وإشارات ردع واضحة. واعتبر أن البحر الأحمر بات ساحة اختبار لما إذا كانت الأنظمة غير المتكافئة منخفضة الكلفة قادرة على فرض أثمان استراتيجية مرتفعة على قوى بحرية متقدمة. فإذا أصبحت الهجمات على السفن التجارية أمراً اعتيادياً، أو استمرت المضايقات الصاروخية ضد القوات البحرية الأمريكية دون عواقب ملموسة، فإن ذلك سيعيد تشكيل حسابات الخصوم ويشجع على تكرار النموذج في مسارح أخرى.
وخلص الأدميرال الأمريكي إلى أن حماية باب المندب لا ترتبط بسجال سياسي، بل بمهمة عملياتية تتعلق بحماية التجارة الدولية، والدفاع عن القوات المنتشرة، والحفاظ على مصداقية التحالفات، ومنع الجهات المعادية من فرض قواعد اشتباك جديدة عبر الإكراه غير المتكافئ. مؤكداً أن كيفية إدارة هذا الاختبار في الشرق الأوسط ستحدد معادلة الأمن في البحر الأحمر – وربما ما بعده – خلال السنوات القادمة.




